مرسوم اتحادي جديد لتعديلات قانون الجرائم والعقوبات
الجمعه 12 ديسمبر 2025 - 11:52 م
أصدرت حكومة الإمارات مرسوماً بقانون اتحادي بتعديل بعض أحكام قانون الجرائم والعقوبات، وذلك في إطار حرص دولة الإمارات على ترسيخ مبادئ العدالة وصون الحقوق. تهدف التعديلات إلى تعزيز حماية المجتمع، وتطوير المنظومة التشريعية لتواكب المستجدات الاجتماعية والأمنية وتعزز سيادة القانون.
ويأتي إصدار المرسوم بقانون ضمن نهج الدولة الدائم نحو التحديث التشريعي، وذلك من خلال مراجعة القوانين وتحسين أدواتها التنفيذية. الهدف هو تحقيق العدالة ودعم جهود الجهات القضائية والعدلية في التعامل مع التطورات المتسارعة ومواجهة التحديات بأساليب حديثة وفعالة.
التعديلات الجديدة تعزز قدرة القضاء على تقييم حالات المحكوم عليهم في بعض الجرائم الخطيرة. من خلال السماح بإخضاع المحكوم عليه لفحوص طبية ونفسية واجتماعية خلال الستة أشهر الأخيرة من مدة العقوبة، لتحقيق تقييم شامل للخطورة الإجرامية.
يتضمن التعديل الجديد منح النيابة العامة صلاحية التقدم بطلب للمحكمة لاتخاذ تدابير احترازية إضافية بعد انتهاء العقوبة الأصلية. يشمل ذلك الإيداع في مراكز التأهيل أو المآوي العلاجية، ويهدف لتعزيز سلامة المجتمع وحماية الأفراد الأكثر عرضة للضرر.
تشمل التعديلات أيضاً منح المحكمة صلاحية إيقاف تنفيذ العقوبة المقيدة للحرية في بعض الجرائم الماسَّة بأمن الدولة. وذلك متى توافرت أسباب جِدِّية تدعو إلى الثقة في صلاح المحكوم عليه، ويمكن للمحكمة أيضاً إعادة المحكوم عليه للسجن إذا تم انتهاك الشروط.
تم تشديد الجرائم المتعلقة بالاعتداءات الجنسية أو المواقعة بالرضا. يُعاقب كل من تجاوز الـ18 من عمره بالسجن والغرامة، إذا واقع أنثى أو اتصل جنسياً مع شخص من ذات جنسه دون الـ18 عاماً، حتى لو كان برضاهما.
يشدد القانون على حماية القاصرين ومنع أي استغلال أو انتهاك بحقهم. لا يُعتد بالرضا قانوناً إلا إذا كان المجني عليه قد أتم الـ16 من عمره، وتطبق أحكام قانون الأحداث الجانحين على كل من لم يبلغ الـ18 في حالات معينة.
تتضمن التعديلات أيضاً تعزيز العقوبات على جرائم التحريض أو الاستدراج أو الإغواء على الفجور أو الدعارة. العقوبة تشمل الحبس والغرامة، وتكون مشددة إذا كان المجني عليه دون الـ18، لضمان حماية الأحداث من الممارسات الخطرة.
تؤكد التعديلات أن تحديث القوانين يمثل ركناً أساسياً في مسيرة التطوير التشريعي بدولة الإمارات. وتجسد التزام القيادة بتعزيز الأمن المجتمعي وصون كرامة الإنسان، مع حماية الفئات الأكثر ضعفاً وفق منظومة قانونية متطورة.
يؤكد المستشار القانوني الدكتور يوسف الشريف على أن التعديلات تعكس تطور القوانين مع المجتمع. التشريع ليس نصاً جامداً بل كائن حيّ، يتغير وفقاً للتحولات، مع الحفاظ على أمن الدولة وهيبة القانون.
أحد أبرز ما يلفت في التعديلات هو الانتقال من منطق العقوبة الصِرفة إلى منطق التقدير القضائي المتوازن. يمنح القضاء الفرصة للاستعانة بالتقييمات الطبية والنفسية والاجتماعية في تقييم الجرائم الخطيرة، لتعزيز الدقة والعدالة.
منح النيابة العامة صلاحيات أوسع لطلب تدابير احترازية يعكس حرص المشرّع على حماية المجتمع. يُعزز هذا الإجراء التوازن بين الأمن والحرية، حيث تُخضع الطلبات لتقدير المحكمة لضمان عدم انتهاك المبادئ القانونية.
البند المتعلق بالاعتداءات الجنسية يقف كنموذج لتشريعات صارمة في حماية الكرامة الإنسانية. تُجرّم التعديلات أي اعتداء جنسي بحزم، خصوصاً إذا كانت الضحية طفلاً أو حدثاً، مما يغلق الباب أمام أي اجتهاد لتخفيف المسؤولية.
يؤكد الدكتور يوسف الشريف على أن عدم الاعتداد بالرضا في حالات معينة يُعد انتصاراً لمفهوم الحماية القانونية. يعكس ذلك إدراكاً تشريعياً متقدماً لطبيعة الجرائم القائمة على اختلال ميزان القوة أو استغلال ضعف.
تشديد العقوبات على أفعال التحريض والإغواء يظهر فهماً عميقاً لخطورة الجرائم غير المباشرة. يحاول المشرّع حماية المجتمع من مقدمات الجرائم خاصة في بيئات التواصل الرقمي، حيث يتحرك لحماية المجتمع من التهديدات.
هذه التعديلات لا تهدف فقط إلى الردع بل تؤسس لثقافة قانونية ومجتمعية تحمي الضحايا. تحمل التعديلات رسالة واضحة بأن الدولة تقف بوضوح إلى جانب الضحية وتعطي الأولوية لأمنها النفسي والجسدي، ضمن إطار تشريعي صارم، إنساني، وعادل.
تعكس التعديلات فلسفة قانونية تقوم على سيادة القانون وصون الكرامة الإنسانية، وتعزيز الأمن المجتمعي. مع فتح نوافذ الإصلاح وإعادة التأهيل، تسعى دولة الإمارات لبناء منظومة تشريعية حديثة، عادلة، ومرنة، تستشرف المستقبل وتحمي الإنسان والمجتمع.
مواد متعلقة
المضافة حديثا