محلل يحذر: الجهل الجيوسياسي يهدد وجود الدول الأوروبية

الأحد 23 مارس 2025 - 02:01 م

محلل يحذر: الجهل الجيوسياسي يهدد وجود الدول الأوروبية

منى شاهين

تواجه أوروبا حالياً تحدياً وجودياً كبيراً لم تشهده منذ أربعينات القرن الماضي. ومع دخول الحرب بين روسيا وأوكرانيا في عامها الرابع، تتجه سياسات إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى احتمال نشوب حرب بين أوروبا وروسيا بدون دعم من الولايات المتحدة، حيث تتفاوض واشنطن الآن على سلام محتمل مباشرة مع موسكو وكييف دون مشاركة الأوروبيين.

ويبدو أن أميركا مستعدة للتوصل إلى اتفاق يعتمد بشكل كبير على شروط روسيا. وتشعر أوروبا بقلق كبير بشأن التزامات واشنطن بالبند الخامس من ميثاق حلف شمال الأطلسي (الناتو) الذي ينص على الدفاع عن أوروبا في حال تعرضها لهجوم. وهذا يضع أوروبا في موقف تبدو فيه غير مستعدة لمواجهته عسكرياً.

يمكن للأوروبيين بالطبع إلقاء اللوم في هذا التطور المستجد بالكامل على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ونظيره ترامب، وهذا ما يفعله الكثير منهم. ولكن في نهاية المطاف، يجب على الأوروبيين الاعتراف بأنهم يدفعون الآن ثمن جهلهم بالجغرافيا السياسية.

التاريخ مليء بأمثلة لقادة تجاهلوا أهمية الجغرافيا السياسية، وهذا ما جعل دولهم تدفع ثمناً غالياً في النهاية. فقد تجاهل نابليون بونابرت، إمبراطور فرنسا، تحديات الجغرافيا عندما غزا روسيا في عام 1812، مما أسهم في هزيمته في معركة واترلو بعد ثلاث سنوات.

كما ارتكبت ألمانيا النازية خطأً مشابهاً أدى إلى سقوطها عندما غزت الاتحاد السوفييتي في عام 1941، مما عرضها لحرب مزدوجة. وعلى المستوى الاستراتيجي الكبير، كانت هناك نقطة تحول في التاريخ مع إتخاذ الصين خطأ تاريخياً في القرن الخامس عشر بالتخلي عن الملاحة البحرية، مما سمح للأوروبيين بالتحكم في البحار الآسيوية لخمسة قرون تالية.

وبالمثل، فشلت أوروبا في التعلم من هذه الأخطاء وتجاهلت ثلاثة تطورات جيوسياسية كبيرة: الأولى، غفلة أوروبا عن عودة روسيا كقوة إمبريالية مع صعود بوتين، وما ستعنيه هذه العودة المباشرة للأوروبيين.

الثاني، أوروبا لم تعِ إدراك النمو المتسارع للصين والذي سيؤدي بشكل حتمي إلى توازن الولايات المتحدة نطاق قوتها العسكرية نحو منطقة المحيطين الهندي والهادئ. منذ إعلان الولايات المتحدة عودتها إلى آسيا في 2011، لم يتجاوز عدد الدول الأوروبية التي أنفقت على الدفاع وفقًا لأهداف الناتو سوى عدد محدود.

الثالث، التطور الجيوسياسي الثالث المهم هو الشراكة المتعمقة بين الصين وروسيا، مما يخفف من ضغط الغرب على روسيا ويدعو أوروبا لمراجعة ترتيباتها الأمنية. لكن أوروبا لم تفعل ذلك، مما يعكس عمىً استراتيجياً مستمراً.

القوى الأوروبية السابقة كانت بارعة في الاستراتيجية والجغرافيا السياسية، ويظهر هذا واضحاً في وثائق كلاسيكية مثل تصريح اللورد بالمرستون الشهير عام 1848 بأن المصالح الأبدية هي الباقية دائمًا بينما التحالفات ليست كذلك.

لكن أوروبا الحديثة تفتقر إلى مثل هذا البصيرة. من بعد أزمة السويس عام 1956، أظهرت أوروبا اعتمادًا متزايدًا على الاستراتيجية الأمريكية تاركة وراءها استراتيجياتها الذاتية.

اليوم، انهيار الاتحاد السوفييتي ومحاولات نشر السلام الدائم عبر الديمقراطية والتجارة الحرة يؤكدان على أن أوروبا اعتقدت أن الظروف قد تغيرت نهائياً.

لكن في ظل العالم الواقعي، حيث تركز الجغرافيا السياسية على توازن القوى، باتت أوروبا ملزمة بإعادة التفكير في استراتيجيتها الأمنية بعدما لم تصغ للعديد من التحذيرات الأمريكية بشأن التعويل على روسيا في الطاقة.

في النهاية، يشير التاريخ إلى أن القادة الذين تجاهلوا الدروس الجيوسياسية قد جرّوا دولهم إلى كوارث كبيرة. والسؤال هو كيف ستتعامل أوروبا مع الوضع الحالي.


مواد متعلقة